نشرت في 06 مايو 2026 11:06 ص
https://www.khbrpress.ps/post/429971
كان أستاذي سليمان في المرحلة الإعدادية يدرسني اللغة الإنجليزية والتاريخ، كان هذا المعلم شغوفاً بقصص التاريخ أكثر من تدريس اللغة الإنجليزية، كان يشوقنا لنقرأ تاريخ العالم، كان يقسم حصته بين اللغة الإنجليزية وتاريخ فلسطين، كان تاريخ فلسطين في تلك الحقبة ليس مقرراً علينا في مدارسنا للأسف، سأظل أذكره وهو يسرد قصة مدينة غزة عبر التاريخ، كان يسردها في صورة مشوقة محببة، يختار لها شخصيات محورية، ويضع على ألسنتها معلومات قصصية مشوقة!
كان معلمي المحبوب مغرماً بقصة، الإسكندر فيليب المقدوني المولود عام 365 قبل الميلاد، لا لأنه قائد جيش عظيم، صمم لأفراد جيشه أطول الرماح، وعلم جيشه البطولات والتضحية في سبيل الوطن، بل لأن الإسكندر مثقفٌ واسع الثقافة، تتلمذ على يد الفيلسوف أرسطو في أكاديميته، لم أكن أعرف يومها شيئاً عن أكاديمية الفيلسوف الإغريقي أرسطو، ولا عن، ديوجين الفيلسوف الكلبي الزاهد في كل متع الحياة، لأن الفضيلة عند ديوجين تكمن في البساطة كحياة كلاب الشوارع، وتكمن في عدم امتلاك أي وسيلة من وسائل الرفاهية!.
قصَّ علينا معلمنا قصة الإسكندر الأكبر مع، ديوجين، كان شوقنا يظهر في صمتنا المطبق، وعيوننا المتابعة لحركة شفتيه، كنا نستمتع بولادة الكلمات على شفتيه قال: «كان الفيلسوف الزاهد ديوجين يعيش في برميل قديم، لأنه لا يملك بيتاً مسقوفاً، يحتمي فيه من المطر، ينام فيه ليحظى بالدفء، زاره الإسكندر المقدوني يوماً وهو نائم في البرميل مغطى بقطعة قماش بالية، كان يرغب في أن يقبس من علم هذا الزاهد، أيقظه الإسكندر بابتسامة وقال له: «أنا الإسكندر الأكبر حاكم البلاد جئتك لأنهل من فلسفتك ولأنقذك من البرميل، فماذا تحتاج»؟ رد، ديوجين: «ابتعد، حتى لا تحجب عني أشعة الشمس الدافئة»؟!
لم يُخفِ معلمي سبب إعجابه بالإسكندر المقدوني، كان يردد بأنه قائد مثقف، على الرغم من أنه كان عسكرياً عنيفاً، أسس عدة مدن في العالم تحمل اسمه، وأبرزها مدينة الإسكندرية، وغيرها في كثير من دول العالم، توفي هذا القائد عام 323 قبل الميلاد، بعد أن فتح دولاً عديدة في العالم، احتل بلاد فارس المنيعة، توفي وعمره اثنتان وثلاثون سنة فقط!
كنا نعرف أن نهاية القصة، لن تكون عن مغامرات الإسكندر الأكبر العسكرية، كنا نعلم أنه يخبئ التشويق في نهاية قصته، صمت قليلاً ثم قال: «كان الفُرس يحكمون غزة، بقيادة بطل آخر ـ تحدَّى الإسكندر المقدوني، وهو القائد، باتيس الذي ولاه، داريوس الثالث إمبراطور فارس ولاية غزة، تمكن هذا القائد من جعل غزة مدينة حصينة، هذا القائد تمكن خلال أكثر من ثلاثة أشهر من هزيمة الإسكندر نفسياً، أصابه بجراح، أرغمه أن يمكث في فتح غزة أكثر من ثلاثة أشهر كاملة، حتى يتمكن من اختراق حصونها المنيعة، لأن غزة كانت هي الطريق نحو مصر! كان معلمنا يعلمنا درساً في البطولة والشجاعة، على الرغم من نقص الإمكانات عند القائد الفارسي، باتيس، ويعلمنا في الوقت نفسه كيف نُحب مدينتنا الباسلة بوساطة هذه القصة التاريخية!
كان معلمي يحب، باتيس، لدرجة أننا كنا عندما نراه قادماً إلى الفصل كنا نقول بصوت منخفض: «جاء باتيس» كان معلمي يُحب باتيس ليس لأنه قائد شجاع فقط، بل لأنه كان حريصاً على شعب غزة، فقد أرسل في شوارع المدينة قبل وصول الإسكندر المقدوني منادين ذوي أصواتٍ عالية، ينادون في شوارع غزة يطلبون من أهل غزة أن يُخزنوا الطعام ليتمكنوا من الصمود، لأنهم سيواجهون جيشاً جرَّاراً في الأيام القادمة!
عندما وصل الإسكندر غزة استغرب من قوة جيشها ومناعة حصونها لذلك قتل كل ذكورها، بلغ عدد القتلى عشرة آلاف قتيل، ثم سبى نساءها وأطفالها، وتمكن بعد قتال عنيف من أسر قائدها»!
كنا نرى علامات الحزن بادية على وجه معلمنا، وكأنه فقد ابناً من أبنائه، واصل قائلاً: «ربط الإسكندر القائد باتيس بحبل من قدميه إلى عربة حصان وجرجره في شوارع غزة احتفالاً بالانتصار، لم يكتفِ بذلك، بل إنه نهب حمولات كبيرة من أشجار بخور غزة ومن نباتاتها النادرة مثل نبات، المُر واللبان»!
توقف معلمي ليسألنا سؤالاً تفاعلياً ليعزز التشويق: «ما بطولة القائد باتيس»؟ّ!
كان معلمي المثقف مؤمناً بأن بطولة باتيس ليست هي البطولة العسكرية، بل كانت البطولة الحقيقية هي المحافظة على أرواح مواطنيه، فهو قد طلب منهم تخزين الطعام، ليتمكنوا من الصمود في وجه جيش قدم إلى غزة غازياً، باتيس لم يشعل حرباً سرية ضد الإسكندر، بل كان مدافعاً عن غزة، وليس مهاجماً في السر بخطة شخصية ارتجالية، كما حدث اليوم!
كان معلمي يربط بين الغزي، باتيس وبين قصة سيدنا يوسف في عهد الفرعون، القصة الواردة في القرآن والتوراة، عندما استشرف يوسف أن مصر ستمر بسبع سنين عجاف، وسبع سنين رخاء، لذلك عينه الفرعون مسؤولاً عن المالية والاقتصاد، فكانت بطولة يوسف هي بطولة اقتصادية وليست عسكرية، فشرع في بناء مخازن الحبوب، ملأها بالقمح، صارت مصر بلداً منيعاً ضد المجاعة.
ورد في سفر التكوين 42: «قدمتْ كلُّ وفود الأرض إلى يوسف في مصر لتشتري قمحاً، لأن الجوع كان شديداً في كل الأرض».
لم أعِ حكمة معلمي المثقف وعشقه لحكمة باتيس قائد غزة إلا متأخراً، ولا سيما بعد كارثة السابع من أكتوبر، حين فقدت مدينتي غزة وممتلكاتي، عشت أيضاً سبعة شهور أبحث عن طعام جيد، أدركتُ أن للمقاومة معنىً آخر، وهو كيف نحمي أهلنا من القتل ومدينتنا من الدمار، وليس فقط كيف نشعل حرباً غير متكافئة!
تذكرتُ قصة مشهورة من تراثنا الديني غير الخاضع للأحزاب والفلسفات الفقهية، وهي قصة مستمدة من عام الرمادة في الجزيرة العربية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، عندما أصاب القحطُ بلاد المسلمين بسبب الجفاف وقلة المطر، لأن في القصة رسالة واضحة لكل المتفيهقين ممن ينسبون أنفسهم للإسلام، ويدعون أنهم مرسلون بأمر من الله، وهي قصة مشهورة في التراث: «ففي عام 18 للهجرة حلّتْ بالجزيرة العربية مجاعة، وفي هذا العام أقدم بعض الجوعى على سرقة ناقة يملكها رجل من قبيلة مُزينة، نحروها ليأكلوا لحمها، ألقى صاحب الناقة القبض عليهم، وعرضهم أمام الخليفة، عمر بن الخطاب، فاعترفوا بأنهم سرقوها ليأكلوا لحمها بسبب الجوع، لأن ربَّ عملهم، حاطب بن أبي بلتعة يُجيعهم ولا يُشبعهم، فقرر عمر إيقاف حد قطع يد السارق وهو الحد المنصوص عليه في القرآن الكريم، أمر الخليفة، عمر بن الخطاب بتغريم ربَّ عملهم الذي أجاعهم بدفع ثمن الناقة مضاعفاً!
لم يكتفِ الخليفة، عمر بذلك بل إنه أوقف جمع الزكاة في عام الرمادة، ثم أعاد توزيع موارد الطعام، ثم نظم قوافل الجِمال لتستورد الغذاء من الشام ومصر، وأسس المخازن، وأشرف على توزيع المعونات من بيت مال المسلمين!
لم يحتكر، الخليفة عمر بن الخطاب تجارة الطعام والكساء والمساكن لمصلحة الدولة، ولم يلزم التجار بدفع مبالغ طائلة لإثراء موازنة الدولة، بل أقدم على الصيام وامتنع عن أكل اللحوم والألبان، وقرر أن يعيش كما يعيش فقراء وطنه!
ولم يحتكر التجارة، ولم يفرض الإتاوات والضرائب، ولم يُهجر أبناء شعبه.
أليست خطوات الخليفة عمر هي النضال الأفضل المتمثل في المحافظة على حياة المواطنين، وإلغاء القوانين غير الملائمة لعام الرمادة؟!