نشرت في 25 يناير 2026 11:40 ص
https://www.khbrpress.ps/post/425913
ليكن واضحاً أن التهديدات الإسرائيلية ضد غزة لن تتوقف بغض النظر عن أي “اتفاق لوقف اطلاق النار ”. الإبادة الجماعية أصبحت الواقع اليومي، والاحتلال الاستيطاني الاستعماري العنصري يرى في استمرار المعاناة والحصار الوضع الطبيعي الجديد القديم. يجب النظر إلى هذا الواقع والتعامل معه على أنه نتاج سياسة ممنهجة، لأننا أمام مجتمع من مرتكبي الإبادة الجماعية، وليس مجرد خصم سياسي عابر.
لم يعد معبر رفح مجرد نقطة عبور حدودية، بل أصبح مرآة فاضحة لطبيعة الشراكة السياسية بين إسرائيل والولايات المتحدة في إدارة الحرب على غزة، ليس فقط في بعدها العسكري، بل في جوهرها الإنساني والسياسي والاقتصادي. لم تعد المسألة تتعلق بإجراءات تقنية أو ترتيبات أمنية، بل بسياسة قائمة على إنتاج الوعود وتعطيلها، وتسويق “التفاهمات”، فيما يُدار الحصار فعليًا كأداة عقاب جماعي.
بحسب ما كشفته إذاعة الجيش الإسرائيلي، توصلت إسرائيل والولايات المتحدة الأسبوع الماضي إلى تفاهم مبدئي يقضي بفتح معبر رفح في الاتجاهين. غير أن هذا التفاهم، كغيره من التفاهمات السابقة، لم يخرج من إطار التصريحات الإعلامية، إذ سارعت إسرائيل إلى إغراقه بسلسلة من الشروط والقيود، وذرائع “أمنية” متجددة، فيما تستعد لعقد اجتماع المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) لـ "حسم مصير" المعبر. هذا يعكس عقلية الاحتلال التي ترى في المعابر أدوات للسيطرة والابتزاز، لا شرايين حياة الفلسطينيين في قطاع غزة.
هذا المشهد لا يمكن فصله عن الدور الأميركي، الذي لم يكن وسيطاً أو ضامناً، بل شريكاً سياسياً كاملاً. الولايات المتحدة تكتفي بإنتاج تفاهمات فضفاضة تُستخدم لاحقاً لتبييض صورة الاحتلال أمام الرأي العام الدولي، دون أي آليات إلزام أو ضغط فعلي. وهكذا تتحول “التفاهمات الأميركية” إلى غطاء سياسي لتعطيل إسرائيلي مقصود، فيما يبقى الجوهر واحداً: إبقاء غزة تحت الحصار، وإدارة الكارثة بدل إنهائها.
الأخطر من ذلك أن التواطؤ يمتد إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث يُروج لبدء “المرحلة الثانية”، وإطلاق وعود بإعادة الإعمار، ورسم خرائط جديدة لغزة تحت شعارات إنسانية وتنموية. غير أن هذه الوعود تُطرح بمعزل كامل عن حقوق الناس، وحقهم في الأرض وفي تقرير شكل مدنهم ومستقبلهم.
ما يُسوَّق بوصفه مشروع إعادة إعمار يتكشف تدريجياً كمخطط سياسي–اقتصادي، تُصادَر فيه ملكيات الأراضي تحت ذرائع “التنظيم”، “الأمن”، و“التخطيط الحديث”، ويُعاد البناء وفق أولويات استثمارية تخدم المصالح الاقتصادية الأميركية وشركاءها، لا احتياجات سكان غزة المنكوبين. هكذا تتحول الإبادة والتدمير إلى فرصة اقتصادية، ويُستكمل الحصار بمخططات إعادة ترتيب المكان والإنسان، في واحدة من أخطر صور الاستعمار المعاصر.
في ظل هذه السياسات المشتركة، تتفجر الكارثة الإنسانية داخل مدينة غزة، حيث تعاني المدينة من أزمة مياه حادة مع انقطاعها لليوم الثامن على التوالي. وفق بلدية غزة، أكثر من 85% من مساحة المدينة لا تصلها المياه، ما يضع مئات آلاف المدنيين أمام خطر صحي مباشر، ويؤكد أن قطع الخدمات الأساسية ليس نتيجة جانبية للحرب، بل جزء من استراتيجية خنق ممنهجة.
وفي موازاة هذا الواقع الكارثي، تتكاثر التصريحات التي يطلقها د. علي شعت، رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، حول إدخال كرفانات إيواء، وفتح المعابر، وتحسين الأوضاع الإنسانية. ورغم ما تحمله هذه التصريحات من طابع تطميني، إلا أنها تصطدم بجدار القيود الإسرائيلية المدعومة أميركياً، وغياب أي ضمانات تنفيذ حقيقية. وهكذا تتحول الوعود إلى أدوات لشراء الوقت وامتصاص الغضب، فيما يُترك سكان غزة يواجهون العطش والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
في المحصلة، ما يجري في معبر رفح ليس فشلاً في التنسيق، بل نجاحاً لسياسة مشتركة تقوم على إبقاء غزة في حالة اختناق دائم. إسرائيل تفرض الشروط، والولايات المتحدة توفر الغطاء، والمجتمع الدولي يكتفي بالمراقبة. أما الثمن، فيدفعه الفلسطينيون وحدهم: حصار، وتجويع، ومصادرة أرض، وإعادة إعمار مشروطة تُصاغ خارج إرادتهم وحقوقهم.
معبر رفح اليوم ليس مغلقاً بالبوابات فقط، بل مغلق بالإرادة السياسية الدولية. فتحه الحقيقي يبدأ بكسر شراكة الاحتلال والغطاء الأميركي، وإعادة الحقوق لسكان غزة، قبل أن تصبح الإنسانية مجرد شعار يتداول على وسائل الإعلام.