نشرت في 06 سبتمبر 2026 06:33 م
https://www.khbrpress.ps/post/434875
يرى فلسطينيون ناشطون في الحياة السياسية أن بناء مجتمع مستقر يقتضي تعلّم التعايش السلمي مع من يختلفون معهم اختلافاً عميقاً.
ويبدو أن مساري السلام مع إسرائيل وتحقيق الوحدة بين الفصائل الفلسطينية المتنافسة مختلفان في ظاهرهما، إلا أنهما يلتقيان عند تحديات مشتركة، أبرزها تجاوز إرث الصراع، والتعامل مع الاختلافات الأيديولوجية والسياسية باعتبارها جزءاً من الواقع، بعيداً عن وهم الوصول إلى مجتمع متجانس أو مثالي.
وفي هذا السياق، يبدو أن تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح يحاول طرح مقاربة تجمع بين الواقعية السياسية والانفتاح على الخصوم، سعياً إلى تجاوز الانقسام وإعادة بناء المشهد الفلسطيني على أسس جديدة.
وعبّر ديمتري دلياني، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، والمتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي، ورئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، عن موقفه بوضوح في حديث إلى صحيفة "جيروزاليم بوست" مطلع الأسبوع الجاري.
ووصف دلياني المجتمع الإسرائيلي بأنه "مفلس أخلاقياً"، ورأى أن سياسات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أسهمت في الكارثة التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني.
وقال للصحيفة: "ينظر تيارنا إلى إسرائيل باعتبارها دولة يتعين علينا إبرام السلام معها وفقاً للقانون الدولي.. نحن لا نخوض في طبيعتها، فهذا شأن لا يعنينا".
وأضاف: "ونحن ضحايا هذه الدولة، نطالبها بأن تنشغل بشؤونها عندما يتعلق الأمر بتكويننا وآرائنا.. وأن تنظر إلينا باعتبارنا شعباً ينبغي لها صنع السلام معه كي تواصل البقاء في هذا الشرق الأوسط".
وأشارت الصحيفة إلى أنَّ القيادي محمد دحلان أمضى سنوات في مواجهة حماس، وكان أحد أبرز خصومها خلال السنوات الأولى من الانقسام الفلسطيني، قبل أن ينتقل في السنوات الأخيرة إلى تبني خطاب أكثر انفتاحاً على الحوار معها.
ولفتت إلى أنَّ دحلان اجتمع مطلع الشهر الجاري مع قيادة حماس في القاهرة، كما جاءت رسالته الأخيرة خالية من آثار الخصومة السابقة مع الحركة أو مع قيادة فتح، إذ ركز فيها على ضرورة تجاوز الحسابات الماضية، في ظل الكارثة التي يعيشها قطاع غزة والمخاطر التي تواجه الضفة الغربية والقدس.
كما نقلت عن دحلان قوله إن حجم الكارثة والمخاطر التي تواجه الفلسطينيين، إلى جانب حالة الضعف والتشرذم التي أصابت المؤسسات الوطنية، تفرض “مراجعة صادقة وشجاعة” هدفها فهم ما حدث واستخلاص الدروس، بدلاً من الانشغال بمحاكمة الماضي وتصفية الحسابات.
وأكد دحلان أن السؤال المركزي لم يعد تحديد الطرف الذي كان محقاً أو مخطئاً، وإنما كيفية حماية الشعب الفلسطيني والقضية الوطنية، وإنقاذ غزة، وحماية الأرض في الضفة الغربية والقدس، وتحديد شكل النظام السياسي الذي ينبغي بناؤه للأجيال المقبلة.
وفي تفسيره لتقارب التيار مع حماس، قال دلياني إن الحركة “موجودة وستظل موجودة”، وإن القضاء عليها بالقوة ليس خياراً واقعياً، مضيفاً أن استمرار الاحتلال يعني استمرار وجود قوى فلسطينية تقاومه.
وينطلق سياسيون فلسطينيون من حقيقة أن حماس ستواصل نشاطها، رغم أن الاتفاق المدعوم أمريكياً، والذي وقّعته الحركة وإسرائيل، اشترط على الجماعة المدعومة من إيران أن توافق على "ألا يكون لها أي دور في حكم غزة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو بأي شكل من الأشكال".
وقال دلياني إن حماس "احترمت حتى الآن خطة ترامب… [والقانون]"، في حين اتهمها الجيش الإسرائيلي مراراً بانتهاك الاتفاق. ورجّح أن تلتزم الحركة بالضوابط المتعلقة بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.
وأكد حسام بدران، العضو البارز في المكتب السياسي لحماس، عبر قناة "الأقصى" الشهر الماضي، أن الحركة تعتزم المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي. وقال كوبي ميخائيل، الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي، للصحيفة آنذاك إن حماس قد تشارك من خلال تشكيل حزب جديد لا يحمل اسمها، أو عبر التحالف مع دحلان.
انتخابات الرئاسة الفلسطينية قد تُجرى عام 2027
إلى جانب انتخابات المجلس التشريعي التي تفصل عنها بضعة أشهر، قد تُجرى انتخابات رئاسية أخيراً عام 2027.
وظلت الانتخابات مؤجلة طوال الأعوام الـ15 الماضية، مما أتاح للرئيس الفلسطيني محمود عباس البقاء في منصبه بعد انتهاء ولايته المحددة بأربع سنوات بوقت طويل.
وأظهرت استطلاعات الرأي الفلسطينية مراراً محدودية التأييد الشعبي لعباس، ووفق أحدث استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، فإن 14% فقط من الفلسطينيين سيصوتون له إذا أُجريت انتخابات رئاسية اليوم.
وفي ظل سعي الرئيس عباس الحثيث إلى توريث نجله منصبه، قال دلياني: “إنَّ لدى الناخبين الفلسطينيين دافعاً لمنع تكرار نمط انتقال السلطة الذي أتاح لنظام الأسد حكم سوريا”.
وقال: "ما جرى في سوريا بين حافظ الأسد ونجله حالة شاذة، ولن يتكرر في العالم العربي. لم ينجح أحد في ذلك سوى حافظ الأسد، ونحن نعرف كيف انتهى الأمر".
وأضاف: "لن يحل نجله [ياسر عباس] مكانه. ابنه لا يملك فرصة انتخابية حتى داخل فتح، ناهيك عن خارجها، ولا حتى داخل تيار والده نفسه. ولنتذكر أنه عُيّن في هذا الموقع ضمن ترتيبات مرسومة ومحكومة سلفاً، وهي ترتيبات ستتعذر إذا تحققت أي مصالحة داخل الحركة".
ووافقت حماس مبدئياً على نزع سلاحها وفق خطة ترامب، غير أن التنفيذ لم يبدأ بعد، وسط خلافات بشأن الأسلحة التي قد يُسمح لها بالاحتفاظ بها، وما إذا كان يتعين على إسرائيل الانسحاب الكامل من القطاع أولاً.
وتقتضي رؤية الوحدة أن تحدد الفصائل موقع المقاومة المسلحة ضمن استراتيجية وطنية أشمل، خصوصاً في ضوء رفض حماس الاعتراف بإسرائيل وتمسكها منذ زمن بمشروع دولة فلسطينية واحدة، في حين أعلنت شريحة واسعة داخل تيار الإصلاح الديمقراطي تأييدها لحل الدولتين على أساس حدود عام 1967.
وقال دلياني إن شعبية المقاومة المسلحة آخذة في التراجع، وطلب أن توضح الصحيفة تمسكه بأن "جميع أشكال المقاومة مشروعة بموجب القانون الدولي في الأراضي المحتلة المعترف بها دولياً. والحصار وجه من أوجه الاحتلال العسكري، ومقاومته بأي وسيلة أو شكل مشروعة تماماً".
وقال دلياني، الذي يعارض جميع أشكال العنف: "حتى إذا نجحت المقاومة المسلحة في تحقيق أهدافها، فإنها ستفضي إلى مجتمع فاشل". وأضاف أن التعويل عليها لا يستقيم عملياً في مواجهة إسرائيل التي تمتلك جيشاً أكثر قدرة.
وأوضح: "لو دخلت منافسة مع مايك تايسون، فلن أختار حلبة الملاكمة، رغم أنه أكبر مني سناً. من المؤكد أنه أكثر لياقة ومهارة وقوة، وسيقضي عليّ في جزء من الثانية. سأواجهه على رقعة الشطرنج. لا نستطيع مجاراة إسرائيل بالعنف".
ورأى أن كثيرين داخل حماس توصلوا إلى القناعة ذاتها.
وجاء حديث دلياني عن المقاومة غير العنيفة مصحوباً بإدانة أوسع للمجتمع الإسرائيلي. وقال إن استطلاعات الرأي أظهرت تبايناً صارخاً بين تأييد الفلسطينيين للمقاومة المدنية ومواقف الإسرائيليين خلال الحرب بين إسرائيل وحماس، واصفاً المجتمع الإسرائيلي بأنه "مؤيد للإبادة الجماعية في معظمه"، وبأنه، حسب تعبيره، "طائفة تمجّد الموت والإبادة الجماعية".
واعتبر دلياني أن إسرائيل تقدم نموذجاً واضحاً لمجتمع قاده العنف إلى الفشل، مستشهداً بالهجرة وأوضاع الاقتصاد الإسرائيلي مثالين بارزين على ذلك، وسبباً رئيسياً لتوجيه الطاقات الجماعية نحو تحسين التعليم والرعاية الصحية.
واختتم دحلان رسالته بالقول: "مسؤوليتنا اليوم أن نفتح مساراً مختلفاً، يصون حق الاختلاف في الرأي، ويجعل التعددية مصدر قوة، والانتخابات وسيلة لتداول السلطة، ويضع المؤسسات فوق الأفراد والوطن فوق الجميع".