لم تسقط بقوة الصواريخ

تقرير: بقايا بيوت الغزّيين أضحت قبورهم بعد أنّ انهارت على ما تبقى لهم من حياة

نشرت في 19 يناير 2026 08:26 م

لم تسقط بقوة الصواريخ

مارلين أبو عون - وكالة خبر

لا يخلو يوم من أيام غزة الحزينة إلا ويستيقظ المواطنون على فاجعة وكارثة جديدة، ولأنَّ الحرب كما يقول الغزيون هي ما بعد الحرب، تفاقمت المآسي وظهرت الكوارث التي لايمكن حلها أو تفاديها في ظل وضع معيشي كارثي وحياة لا تشبه الحياة التي يعرفها الناس في العالم، فحياة المواطن الغزي أصبحت معلقة في خيمة أو بقايا منازلهم التي تعرضت للقصف فانهار جزء منها وبقي الجزء الآخر ليقضي على حلم ساكنيه وإلى الأبد. 

الاحتلال لم يترك شيئاً ولم يترك مكاناً آمناً ونظيفاً في غزة، حيث دمر وحرق ولعب فيما تبقى من بيوت المواطنين إما بتفجيرها وتصويرها وهي تسقط وإما بسرقتها ووضع بعض من الألغام فيها ليقتل مزيداً من السكان الذين نجوا بأعجوبة منه طيلة سنتي الحرب، قكأن روحه المتعطشة لسفك الدماء لا تشبع وتريد المزيد.

بالعودة إلى المنازل أو شبه المنازل المتبقية في القطاع المدمر هي أشبه ما تكون “مصائد للموت” فهي تقف عاجزة عن الصمود ومن أول هبة للرياح أو الأمطار تنهار كأنها جبلاً من الرمل، إما تسقط وفي داخلها بعضاً من أهلها لجأوا إليها للاحتماء من برد الشتاء واما تكون فارغة وتشكل أيضاً خطراً على العابرين بجانبها. 

الشتاء في غزة هذا الموسم بدأ بكميات لا بأس بها من الأمطار، فغرقت الآلاف من خيام النازحين وطار بعضها في الهواء وبقي النساء والأطفال في العراء ترتجف أجسادهم من الخوف والبرد، مشاهد اعتاد العالم أنّ يراها طيلة عامي الحرب ولا أحد يُحرك ساكناً وكأنهم اعتادوا على قتلنا من البشر والظواهر الطبيعية، ولأنَّ مناطق واسعة من قطاع غزة غرقت بمياه الأمطار والصرف الصحي هرب قاطنوها منها نحو ما تبقى من بيوتهم الآيلة للسقوط، في اعتقادهم بأنهم سيكونون أكثر أمناً ودفئاً بعيداً عن الأمطار والرياح المرعبة التي تقتلع أرواحهم من مكانها مع كل دقيقة تمر بالمنطقة.

مئات العائلات لجأت للاحتماء لما تبقى من بيوتها، مع أنَّ الدفاع المدني وعبر إرشادات كثيرة نصحهم بعدم الاقتراب من البيوت الآيلة للسقوط أو بالبيوت التي هُدم جزءاً منها وبقي الجزء الآخر معلقاً في أي لحظة يمكن أنّ يقع على المواطنين، ولكن وعلى ما يبدو لم يستمع لها شريحة كبيرة من المواطنين وعادوا إلى منازلهم ولسان حالهم يقول “بيوتنا لم تقع بفعل الصواريخ، ستقع الآن من هبة ريح أو سقوط الأمطار عليها.!!”، هذا الاستهتار والاعتقاد الخاطئ كلف العشرات أرواحهم بعد أنّ انهارت بيوتهم على رؤوسهم وهم بداخلها والعالم شاهد العديد منها وهو يسقط بمشاهد تحرق القلوب. 

وبالعودة للدفاع المدني الذي أكّد على وجود العديد من المنازل التي تشكل خطراً على السكان وغيرها من النقاط والجوانب المتعلقة بتلك البيوت فقد صرح وعبر عدة تصريحات سابقة بأنّه سجل بالتعاون مع "لجنة التقييم الإنشائي للمباني الخطرة الآيلة للسقوط" مئات المنازل التي تنطبق عليها "مباني خطرة غير صالحة للسكن"، بعد تعرضها للاستهداف والقصف الإسرائيلي خلال الحرب، هذه اللجنة المُشَكَلة من "وزارة الأشغال العامة والبلديات وجهاز الدفاع المدني ونقابة المهندسين" عقدت اجتماعات مهنية وأجرت جولات معاينة ميدانية على المباني الخطرة في مناطق عديدة بمحافظات قطاع غزة وقد اتخذت قرار بالإزالة الفورية لعدة منازلة موزعة في عدد من المناطق في مدينة غزة.

كما أنه تم إخلاء عدة أبراج بعد حدوث تصدعات وانهيارات فيها. ورغم تلك الاحتياطات والإنذارات والجولات التي يقوم بها الدفاع المدني بما هو متاح وبأقل الإمكانيات إلا أنه تم تسجيل انهيار عشرات المنازل الفارغة وأخرى على رؤوس سكانها.

على سبيل المثال لا الحصر انهيار منزل لعائلة سكيك شرق مدينة غزة وآخر في منطقة الصفطاوي دون إصابات، أما المنازل التي انهارت فقد أنقذت فرق الدفاع المدني مجموعة من المواطنين بينهم أطفال ونساء، وغيرهم لم يحالفهم الحظ بالخروج أحياء فقد ظلوا عالقين تحت منازلهم المهدمة فأصبحت قبورًا لهم بعد أن كانت ملاذاً.

ولأنَّ فصل الشتاء في أوله ولم يرى الغزيون بعد قسوة طبيعة هذا الفصل على حالهم وواقعهم الجديد، نحن سنكون مع مزيد من انهيار البيوت وغرق الخيام وموت الأطفال من شدة البرد وفقدان أثر العديد تحت حيطان منازلهم التي أصبحت مثواهم الأخير.

وكالة “خبر” رصدت أوضاع الناس ومخاوفهم والتقت عدداً منهم.

“أراد الله لنا الحياة”

تغريد عوض التي لم يمهلها الاحتلال أنّ تأخذ نفساً لكي تعيش، فقام بقتل أي شيء يعيدها إلى حياتها السابقة قبل السابع من أكتوبر، تحملت الجوع والنزوح والفقدان وصمدت مع أقرانها على أمل أنّ تنتهي الغمة، وكان ما يبعث في نفسها الأمل هو صمود منزلها أو ما تبقى منه.

تُحدثت عن هذا الأمل وتقول: "في الهدنة الأولى كنت من أول العائدين إلى غزة، وقلبي لا يسعني من الفرح كلما تذكرت أنني أخطو بخطواتي السريعة نحو الشمال، لأنام في بيتي وبين جدرانه التي اشتقت لها كثيراً، وفعلاً حين وصلت للمنزل وجدته متضرراً بشكلٍ كبير، لكنني يمكن أنّ أقوم باستصلاح جزءًا منه والعيش فيه، وقد قمت بالفعل بذلك فأصلحت غرفتين، أزلت الركام وأغلقت الحيطان المفتوحة بالشوادر واستقريت فيه، فرحتي كانت كل يوم تنسيني ما واجهته طيلة العامين بعيداً عنه، والحمد لله على كل حال".

وُتابع: “مارست حياتي بشكل شبه طبيعي طيلة 4 أشهر وقضيت رمضان في المنزل، ولكن الاحتلال لا يريد لنا العيش بكرامة في وطن قام بحرقه، قام بإنذارنا بإخلاء المنطقة والتوجه نحو الجنوب، في البداية لم أُرد ترك المنزل وقلت في نفسي نزحت بما فيه الكفاية ولن أغادر المنزل مرة أخرى ويحدث ما يحدث بعدها، إلا أنَّ أولادي توسلوا لي بأن نغادر المنزل وقد استسلمت لتوسلاتهم فهم لا ذنب لهم ليروا العذاب مرة أخرى مع احتلال لايفرق بين مدني وعسكري، بين حجر وإنسان، ودعت المنزل وأنا أبكي وكنت أشعر وأنا أودع فيه بأنني لن أعيش فيه مرة أخرى، وبالفعل ضربت المنخفضات الجوية القاسية غزة وتساقطت الكثير من المنازل، وما كنت لا أتوقعه أن يكون منزلي من ضمنهم، فقد أراد الله أن يسقط المنزل بفعل الأمطار والرياح بعد أن ضرب الاحتلال أساساته، وحكمة الله أن يحميني ويحمي أطفالي، فلولا إنذار الاحتلال لنا بإخلاء المنزل لبقينا في المنزل وانهار فوق رؤوسنا ولكن حكمته وسعت كل شيء وأراد لنا الحياة لا الموت”.

“خايف أرجع لبيتي وينهار عليِّ”

محمود الذي طالما كان يحلم بالوقت الذي تنتهي به الحرب وأنّ يعود لمنزله، لم يكن يعلم أنه سيعيش حرباً أخرى لا تقل في شراستها عن الحرب الدموية التي تعرضت لها غزة، هذه المرة كانت حرب المياة والرياح، ويخبرنا محمود عما يخالج فكره وعقله كل يوم، ويقول لمراسلة وكالة “خبر”: "ما بيمر يوم من غير ما أفكر باللحظة الي أكون فيها في بيتي، فقدت أولادي الاثنين بالحرب وسام ومحمد وضايلي بس رهف وعلاء وأمهم، ولأني عارف إنه بيتي نصه واقع والنص التاني ما بعرف إذا قادر يصمد مع كمية المنخفضات اللي بنعيشها أو لا، عشنا فيه كام شهر بالهدنة الأولى ولما الاحتلال أجبرنا نطلع منه تاني، ما كان عندي أمل ولا واحد بالمية إنه يضل النص التاني صامد، مر شهور وما عندي خبر شو صار لغاية ما صارت الهدنة والناس رجعت لكن أنا ما رجعت ضليت في الجنوب، ولما تشجعت، رحت أشوف شو صار بالبيت".

ويُتابع محمود: "لما وصلت البيت لقيته الحمد لله متل ما تركته نصه واقف بس في كمان شوية حيطان واقعة منه، لأنه كانوا الي ما يتسموا خابطين البيت قذيفة مدمرة الحيطان، وبصراحة كتير من الجيران لقيتهم راجعين بس أنا مابدي أرجع، بخاف يكون بيتي وأنا بسكن في العمارة بالدور الثالث، بخاف يقع فيي وعند زوبعة هوى ولا مطرة قوية ينهار متل ما شفنا كتير بيوت انهارت، فبكون هيك ما مات من سلاح الاحتلال، أقوم أموت من عوامل الطبيعة!!".

يُذكر أنَّ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأنروا” قد أطلقت نداءً تؤكد فيه على انهيار سبعة عشرة منزلاً متضرراً واثنين وأربعين ألف خيمة يعيش داخلها عشرات الآلاف من النازحين المتضررين الذين فقدوا بيوتهم للأبد، حتى منتصف شهر ديسمبر من العام 2025.