بقلم رجب ابو سرية

ترامب برنامج انتخابي لنتنياهو

نشرت في 23 أكتوبر 2026 10:11 ص

بقلم رجب ابو سرية

وكالة خبر

https://www.khbrpress.ps/post/436921



 

أيّاً تكن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية، وبصرف النظر، إن كان بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الحالي سيحتفظ بمنصب رئيس الوزراء، ولو حتى عبر حكومة وحدة، أي بتناوب المنصب مع غادي آيزنكوت منافسه الأبرز في هذه الانتخابات، أو من خلال حكومة تسيير أعمال حتى موعد إجراء انتخابات جديدة، أو سيضطر إلى فقدان منصبه، فإن ذلك لا يعني أولاً أنه سيعتزل العمل السياسي بنسبة 100%، رغم أنه قد تجاوز منتصف العقد السابع من العمر، وأنه حتى انتخابات الكنيست القادمة سيكون قد بلغ الثمانين من العمر، بل إنه قد يقضي فترة الكنيست السادس والعشرين كزعيم للمعارضة، وسبق له أن فعل هذا من قبل، وثانياً، حتى لو أنه اضطر إلى اعتزال العمل السياسي، فإن خروجه من مسرحه لا ينفي كونه قد حقق حتى الآن إنجازاً غير مسبوق، تمثل في أنه أمضى أطول فترة كرئيس وزراء، متجاوزاً كلاً من ديفيد بن غوريون، مؤسس الدولة، ومناحيم بيغن عراب اليمين وأول رئيس حكومة ليكودي. 
ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن نتنياهو رئس الحكومة الإسرائيلية في لحظة فارقة، بعد أن ترأس الليكود ومن ثم اليمين المعارض بشكل مفاجئ، وفي لحظة يأس كان يمر بها المعسكر المعارض لاتفاقات أوسلو التي وقّعها اليسار الإسرائيلي، وبعد لحظة تورط اليمين في اغتيال إسحق رابين رئيس حكومة اليسار الذي وقّع مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات اتفاقيات أوسلو في حديقة البيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون عام 1993. وكان الإسرائيليون قد اعتادوا على اختيار رؤساء حكوماتهم وفق خلفياتهم الأمنية عادة، نظراً إلى كون الدولة حتى كامب ديفيد كانت تواجه تهديداً وجودياً، وحتى حين لم يكن رئيس الحكومة عسكرياً، كما كان حال ليفي أشكول ثالث رئيس حكومة إسرائيلي الذي شغل المنصب خلال حرب عام 1967، أو غولدا مائير التي خلفته وكانت في المنصب خلال حرب العام 1973، فقد كان يرافق رئيس الحكومة وزير دفاع عسكري، كان موشيه دايان، في الحالتين، لكن بالنظر إلى أهم رؤساء الحكومات الإسرائيلية من كلا الحزبين، نقصد كلاً من ديفيد بن غوريون، وإسحق رابين، من جهة اليسار، ومناحيم بيغن وإسحق شامير من جهة اليمين، وبينهما كل من إيهود باراك وأرئيل شارون، فيمكن القول: إن القادة العسكريين سرعان ما كانوا يتحولون إلى قادة سياسيين بمجرد أن يخلعوا البزة العسكرية، أما الرواد (بن غوريون وبيغن وشامير) فتكفي قيادتهم وتأسيسهم للجماعات العسكرية التي أقامت الدولة، ومن ثم شكلت الجيش، للتدليل على أن مدخل السياسة الإسرائيلي كان أمنياً، إلى أن جاء نتنياهو. 
وللحقيقة التاريخية لم يكن نتنياهو أول رئيس حكومة إسرائيلي «مدني»، بل سبقه في ذلك إيهود أولمرت، بحيث يمكن القول: إن آخر رئيس حكومة إسرائيلي قبض على المنصب بقوة، نظراً لخلفيته العسكرية، وليس استناداً لمهارته أو قدراته السياسية، كان شارون، الذي تدرج في المناصب العسكرية إلى أن تولى وزارة الدفاع في عهد بيغن عام 1981، حيث قاد الحرب على لبنان في العام التالي، أي أن إسرائيل منذ العام 2006 أي منذ عشرين عاماً، أي حين تولى أولمرت منصب رئيس الوزراء، يتولى المنصب الأول فيها رجل ليس بخلفية عسكرية قوية، وقد أكد هذا نتنياهو، ربما بالنظر إلى أنه لم يكن من المؤسسين على شاكلة بن غوريون وبيغن وشامير، وإلى أنه أمضى في المنصب أطول فترة أمضاها رئيس وزراء إسرائيلي من قبل.
لكن هذا لم يعنَ أن نتنياهو كان أقل تشدداً أو استعداداً لشن الحروب، بل تكفي هنا الإشارة إلى أنه دخل السياسة من باب معارضة أهم فرصة تاريخية لصنع السلام، تحققت عام 1993، لحظة إعلان اتفاق أوسلو بين حكومة إسرائيل و م.ت.ف، ورغم أنه اعتزل العمل السياسي لفترة بعد أن خسر الانتخابات وكانت على منصب رئيس الحكومة وفق الاقتراع المباشر أمام إيهود باراك عام 1999، إلا أنه عاد بعد سنوات ليشارك في حكومة شارون، ومن ثم عاد ليقبض على مقود رئاسة الوزراء عام 2009، ليقود حروباً متتالية على قطاع غزة، وليغلق الباب تماماً أمام الحل السياسي منذ العام 2014، حيث كان مسار متابعة التفاوض هو السبب في توتر علاقته التي ما زالت تأخذ طابعاً شخصياً حتى اليوم مع الرئيس الأميركي في ذلك الوقت باراك أوباما، وكان أخطر ما قام به خلال فترة توليه رئاسة الوزراء طوال تلك الفترة الطويلة، هي تحقيق أمرين بالتوازي، أحدهما على الجانب الفلسطيني، حيث كان يرعى الانقسام في الوقت الذي كان يغلق فيه طريق الحل السياسي، والثاني داخلي إسرائيلي، بتعزيز الاستيطان، وفتح الباب أمام وصول ممثليه إلى الكنيست ومن ثم للحكومة، وهو للتذكير عرّاب البيت اليهودي، وهو من أخذ بيد نفتالي بينيت حتى أوصله لمنصب وزير الدفاع، وفعل ذلك من قبل مع أفيغدور ليبرمان، ثم هو من أخذ بيد كل من إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وجعل منهما وزيرَيه الأهم من وزراء الليكود أنفسهم، لأنهما قاما عنه بالعمل القذر، بهدف إعفائه بقدر ما من حرج كونه رئيس الحكومة أمام العالم الخارجي. 
ويبدو أن نتنياهو وبشكل مبكر كان يفكر فيما هو أبعد من مجرد تقديم الموقف المعارض للتسوية السياسية، لأنه يتوجب على من يريد أن يدفن الحل السياسي نهائياً أن يكرس واقعاً مغايراً للحل، أي واقعاً لا يكون فيه هناك شعبان على أرض واحدة يتنازعان السيادة عليها، لينتهي الأمر بتقاسمها، كما كان قد حدث مع القرار الأممي عام 1949، وكما حدث مع مبدأ الأرض مقابل السلام، بعد حرب 67، وحلّ الدولتين، تبعاً للموقف الأميركي نفسه وفي عهد الجمهوري جورج بوش الابن، الذي كان أول من نطق بمصطلح حل الدولتين، رغم عدم اهتمامه بمتابعة اتفاقيات أوسلو، لذلك كان نتنياهو يقوم بهندسة الواقع الإسرائيلي والفلسطيني معاً وعلى حد سواء بهدوء، وصولاً للحظة المناسبة، ذلك أن المهام الكبرى التي قال عنها في آخر حملة انتخابية له قبل أيام، ما هي إلا شن الحروب الإقليمية بالتتابع والتدرج وصولاً إلى إقامة إسرائيل الكبرى، الهدف الأهم الذي يحقق كل ما حلم به ليس نتنياهو فقط، بل جابوتنسكي وكل غلاة الصهيونية ومتطرفي اللاهوت وفاشيي اليمين الإسرائيلي. 
وبالنظر إلى أن نتنياهو قد نشأ في أميركا وجاء بثقافة سياسية أميركية لإسرائيل، لدرجة أنه خاض كل الجولات الانتخابية التي فاز بها، مستنداً إلى الدعاية الانتخابية، على الطريقة الأميركية التي تعتمد على «البروبوغاندا»، ومن يتذكر الانتخابات السابقة وما كانت تمنحه إياه استطاعات الرأي يمكنه أن يدرك جيداً كيف أنه، بمهارة شخصية وكاريزما خاصة، استطاع أن يحقق الفارق في الأيام الأخيرة ما قبل إجراء الانتخابات، حيث عادة يجري حسم موقف المترددين، ومعروف أن حالة التوازن الداخلي الإسرائيلي القائمة منذ عقود، يمكن معها لعدد قليل من مقاعد الكنيست أن يمنح الحكم لمعسكر دون الآخر، لذلك فإن نتنياهو لا يجد أمامه في هذه المعركة الانتخابية الصعبة، والحاسمة نظراً للحظة التي تجري فيها، ونظراً لحالته الشخصية وتقدمه في العمر، وما أثقل به كاهله من إرث، ربما كان أسوؤه وآخره هو 7 أكتوبر، فإنه من المتوقع ألا ينام نتنياهو الليل، بل سيظل يتجول في كل مكان داعياً الجمهور لإبقائه في الحكم من أجل تنفيذ المهمة الكبرى. 
بالطبع بدأ الليكود حملته مبكراً، ورفع فزاعة التهديد كالعادة، وركز على مربع العدو (خامنئي، نعيم قاسم، أردوغان، وزهران ممداني)، لكن الملاحظ أن نتنياهو اضطر لأن يفصح في هذه الانتخابات عن مراهنته الأخيرة في الفوز بها، تماماً كما اضطر في لحظة ما من الحرب إلى الإفصاح عما ينوي أن يفعله، حين قال: إنه يقوم بتشكيل تحالف إقليمي مع كل من الهند واليونان وقبرص، لأنه سيشن الحرب على القوس السني (تركيا، السعودية ومصر وباكستان)، وهذا يتأكد من خلال تحالفه مع الهند عدوة باكستان، واليونان عدوة تركيا، فقد قال في دعايته الانتخابية، مخاطباً الجمهور المستهدف: إن أمامه نحو عامين ليكمل أو لينفذ مهامه الكبرى، وكان يقصد بكل وضوح الفترة المتبقية من ولاية دونالد ترامب في البيت الأبيض الأميركي. 
واضح أن نتنياهو الذي كان قد كسب رهانه الأول حين لم يرضخ لضغط جو بايدن لوقف الحرب على تخوم رفح، لأنه كان ينتظر ترامب، يعلم أن أميركا بعد ترامب لن تساعده في تحطيم دول الشرق الأوسط وقيام إسرائيل الكبرى، وهكذا يمكن القول: إن ترامب يمثل جوهر البرنامج الانتخابي لنتنياهو!