نشرت في 04 أبريل 2026 10:37 ص
https://www.khbrpress.ps/post/428674
منذ ولايته الرئاسية الأولى عام 2017، لم يتوانَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن انتقاد حلف شمال الأطلسي «الناتو»، واتهام حلفائه الأوروبيين بالتقاعس عن دفع نفقات وتكاليف هذا التكتل العسكري الذي وُجد بعد الحرب العالمية الثانية لحماية المصالح الأميركية والغربية ضد التهديدات الخارجية.
بعقلية الرجل الرأسمالي، ينظر ترامب إلى الحلف العسكري على أنه مظلة أمنية تحمي أوروبا الغربية أكثر من الولايات المتحدة، التي يصفها بأنها أكثر دولة تنفق على «الناتو»، في حين ينبغي على أوروبا أن تتحمل مسؤولياتها لضمان استمرارية هذا التكتل.
في الواقع تعد الولايات المتحدة العمود الفقري المالي والعسكري لـ»الناتو»، إذ يمثل إنفاقها الدفاعي ثلثي إنفاق أوروبا مجتمعةً، الأمر الذي يثير غضب ترامب نتيجة هذا الاختلال المالي بين ضفتي الأطلسي، والدفع نحو تقييم كلفة الالتزامات الأميركية الأمنية الخارجية.
غير أن الأمر بدأ يأخذ منحنى تصاعدياً مع الصراع في الشرق الأوسط والحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، خصوصاً مع قيام طهران بتقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز الحيوي الذي يمثل شرياناً اقتصادياً استراتيجياً لتدفق إمدادات الطاقة نحو العالم.
طلبت واشنطن من حلفائها الأوروبيين مساعدتها بالدخول في هذه الحرب وتأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز، لكن الجواب لم يأتِ بما يشتهي ترامب، الأمر الذي دفعه لتوجيه سهامه نحو قادة الاتحاد الأوروبي واتهامهم بالتخاذل عن دعم الولايات المتحدة في صراعها مع إيران.
أغلب دول أوروبا مستفزة من السياسات الترامبية، إذ ترى أنه لم يستشرها في حربه على إيران، وتجد أيضاً أن هذه الحرب ليست حربها ولا تخدم مصالحها الوطنية كما توضح تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
الموقف الأوروبي عموماً تمثلَ في السعي إلى تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز، وعدم التدخل المباشر في القتال، ولذلك وجد الرئيس الأميركي نفسه محاطاً بمخاوف تتعلق بقدرة بلاده على إنهاء الحرب بأقصى سرعة ممكنة.
كذلك يحضر تساؤل من قبيل أن الرأي العام الأميركي بدا منزعجاً من حرب ترامب على إيران، وكان يمكن لدخول «الناتو» في الحرب تقوية حجة «دونالد» أمام شعبه وإعطاء غطاء شرعي للتحركات العسكرية ضد طهران.
حديثاً قال ترامب إنه يفكر جدياً بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي الذي وجده ضعيفاً وغير فعّال و»نمراً من ورق»، وشكك في مبدأ الدفاع المشترك، ونوه إلى أن بلاده غير مستعدة للدفاع عن حلفائها إذا لم يقدموا الدعم لها.
السؤال المطروح الآن: هل ستنسحب واشنطن من «الناتو»؟ في حقيقة الأمر من المستبعد أن «تُطلّق» الولايات المتحدة حلفاءها بالثلاث وتخرج من حلف شمال الأطلسي، والسبب أنها مستفيدة أولاً من مواقع انتشارها في القارة الأوروبية.
هناك ما يقرب من 40 قاعدة عسكرية أميركية في أوروبا، عدا عن المواقع اللوجستية والمنشآت الصغيرة، وهذه الإطلالة على أوروبا والعالم تُشكّل عنصر قوة وانتشاراً عسكرياً مترامي الأطراف، بوجود بين 65 إلى 85 ألف جندي أميركي.
ثانياً، يمكن القول إن أي فراق مع أوروبا الغربية سيعني فراغاً عسكرياً قد تستفيد منه روسيا والصين، وبالتالي لن تسمح واشنطن بأن تأخذ أي دولة محلها، غير أن سياسة التهديد الترامبية تهدف للضغط على أوروبا حتى تدعم واشنطن في حربها وتزيد من نسبة الإنفاق على «الناتو».
أضف إلى ذلك، أن صوت الرئيس الأميركي ليس مسموعاً بالشكل المرغوب في موضوع حسّاس مثل الابتعاد عن حلف شمال الأطلسي، ذلك أنه سيواجه انتقادات كبيرة من الحزب الديمقراطي وحتى في صفوف حزبه الجمهوري.
قرار الانسحاب خاضع لجدل قانوني كبير، ولا يمكن لترامب الخروج الآمن من الحلف العسكري بقرار شخصي، خصوصاً وأن الكونغرس الأميركي أقّر في عام 2024 تشريعاً ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني، يُقيّد أي رئيس بما في ذلك ترامب الانسحاب من «الناتو» بشكل منفرد، إلا بموافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو قانون يمرره الكونغرس.
على الجانب الآخر، تحتاج أوروبا إلى «العم سام» ولا تتحمل خسارته لأن ذلك سيعني تخصيص أموال كثيرة من اقتصادها لخدمة المظلة الأمنية الأوروبية المشتركة، فضلاً عن أنها قد لا تكون مجتمعة قادرة على التعامل مع التحديات العالمية ومواجهة النفوذ الروسي تحديداً في القارة الأوروبية.
الخلاصة أن العلاقة الحالية بين الولايات المتحدة وأوروبا تشبه الخصام بين الزوج والزوجة، حيث يحتاجان إلى بعضهما البعض بصرف النظر عن قوة الخلاف، باستثناء أن أوروبا هي الأضعف في هذه المواجهة، وستجد طريقة لتحسين المزاج الأميركي أو الانتظار حتى تنتهي ولاية ترامب الرئاسية.