نشرت في 27 أبريل 2026 10:55 ص
https://www.khbrpress.ps/post/429604
هذه واحدة من أخطر اللحظات التي مرّت على لبنان منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي. الانقسام الداخلي فادح، والبلد مهدد في وجوده وسلمه الأهلي.
تطل أشباح الحرب الأهلية عليه، مجددا، تحت عنواني نزع سلاح المقاومة والسلام القسري مع إسرائيل.
تبدّت مفارقة كبرى في دعوة الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» لوقف الحرب لعشرة أيام، بين حاجة لبنان الماسة إلى هدنة، ولو مؤقتة، يلتقط فيها أنفاسه ويضمد جراحه وينظر في مستقبله، وبين الأفخاخ المنصوبة، وأخطرها أولوية نزع سلاح «حزب الله»، كأن السلام لا يتحقق إلا بتجريد لبنان من أي قدرة على الردع.
وفق المبادرة الأميركية: «تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة، أو وشيكة، أو جارية، ولا يعيق وقف إطلاق النار هذا الحق».
إنه تفويض شبه مطلق بضرب لبنان في أي وقت، بذريعة أو بغير ذريعة.
قبل أن يبدأ سريان وقف إطلاق النار، أطلق «ترامب» تغريدة معاكسة: «كفى يعني كفى»، طالبا من إسرائيل، بصيغة أمر، أن تكف يدها عن ضرب لبنان، أو استهداف منشآته ومبانيه.
وفق موقع «أكسيوس» الأميركي، أُصيب رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ومن حوله بصدمة مفزعة، استدعت أن يطلب توضيحا من إدارة «ترامب».
أي «ترامب» نصدق؟!
لا يوجد تناقض جوهري.
المرة الأولى تعبر عن التوجهات الأميركية المعتادة في إطلاق يد إسرائيل بحجة الدفاع عن نفسها، فيما الثانية تعكس قلقه البالغ من أن تفضي أي ضربات إسرائيلية إلى تقويض عقد اتفاق سلام وشيك مع إيران، يتخلص بمقتضاه من الأضرار الوخيمة التي لحقت بصورته وشعبيته، وتكاد تكلفه عزله من منصبه إذا خسر الجمهوريون الانتخابات النصفية مطلع الخريف المقبل.
بقوة الحقائق - أولا، فإن «نتنياهو» هو الذي ورّطه في الحرب الكارثية على إيران، وهو غير مستعد أن يفسد اتفاقا مع الإيرانيين في مراحله الأخيرة.
بقوة الحقائق - ثانيا، فإن المفاوض الإيراني استخدم كل ما لديه من أوراق ضغط، خاصة مضيق هرمز، حتى يوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية بالتزامن مع وقف إطلاق النار على الجبهة الإيرانية.
كانت تلك إحدى النقاط الرئيسة في مذكرة العشر نقاط، التي نقلها الوسيط الباكستاني إلى البيت الأبيض.
غير أن «نتنياهو» ارتكب، في اليوم التالي، واحدة من أبشع المجازر في العاصمة اللبنانية بيروت، نالت من جميع مناطقها وطوائفها، لا الضاحية الجنوبية وحدها ــ معقل «حزب الله» والطائفة الشيعية ــ.
استهدف «نتنياهو» الفصل بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، والانفراد بالأخيرة، حتى يمضي قدما في إنشاء منطقة أمنية بعمق عشرة كيلومترات داخل الجنوب اللبناني، بذريعة حماية الشمال الإسرائيلي.
المعضلة الإيرانية ــ هنا ــ أنها إذا صمتت عن الاستفراد بلبنان، الذي دفع فواتير سياسية وإنسانية باهظة في إسنادها، فإنها تفقد أي احترام وصدقية في العالم العربي كله.
بقوة الحقائق ــ ثالثا، فإن المقاومة اللبنانية نجحت بدرجة كبيرة، رغم فوارق السلاح، في إلحاق خسائر فادحة بالقوات الإسرائيلية، خاصة في المعارك البرية وجها لوجه في بنت جبيل.
كان ذلك دافعا إضافيا لمبادرة «ترامب» لوقف الحرب على لبنان.
لم تهبط الحكمة فجأة على البيت الأبيض، لكنه حول توظيف الحقائق المزعجة إلى انتصارات مجانية، تساعد في إعادة بناء صورة الرئيس كواحد من أبطال السلام، الذين يستحقون الحصول على جائزة «نوبل»!
لم يتردد هو نفسه في التصريح بأن هذه المرة العاشرة التي يوقف فيها حربا!
«البلد لم يعد في جيب أحد، ولا ساحة لأحد».
كان ذلك تصريحا مضادا للرئيس اللبناني «جوزيف عون»، ينزع عن إيران أي دور في وقف الحرب، أو أي حق في التفاوض بالنيابة أو بالتنسيق. «التفاوض تعبير عن قوتنا». كان ذلك تزيدا في غير محله، فالقوة تصنعها التوافقات الوطنية الواسعة، وعدم تعريض البلد لانفجارات داخلية هو في غنى عنها، لا التماهي مع الطلب الإسرائيلي بنزع سلاح «حزب الله»، كأنه تعبير وحيد عن السيادة!
لا يمكن قياس ما هو طبيعي على ما هو غير طبيعي.
حصرية السلاح في يد الدولة حق أصيل لكل الدول، كما احتكار قراري الحرب والسلام.
ذلك مما لا يصح النقاش فيه، لكن كيف؟.. وبأي مقاربة؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
يحتاج لبنان أن يحاور نفسه أولا، ويضع الأمور في نصابها.
هذه ضرورة أولى.
إذا لم تكن هناك استراتيجية دفاعية قوية وفعّالة، فإن نزع سلاح المقاومة هدية مجانية للإسرائيليين، حتى يكون لبنان مستباحا بالكامل.
هذه ضرورة ثانية.
حسب «حزب الله»، فإنه «ملتزم بوقف إطلاق النار بطريقة حذرة ومشروطة».
بصياغة أخرى، «أيدينا على الزناد».
الالتزام قضية وحدة وطنية لا يصح خرقها في أحوال حرب وتخريب لمقدرات البلد، أو ما تبقى به من مقدرات.
التأهب واجب، وإلا فإنه تسليم على بياض بكل ما يريده الإسرائيليون.
يلفت النظر ــ هنا ــ أن طلب نزع سلاح «حزب الله» يترافق مع طلب مشابه لنزع سلاح «حماس».
تجريد المقاومة من سلاحها يستهدف، إسرائيليا، إفساح المجال كاملا أمام قوات الاحتلال للتمدد والتوسع على حساب كل ما هو عربي وإنساني.
حسب تصريح لافت آخر، أكد «نبيه بري»، رئيس مجلس النواب، أن: «الوحدة الوطنية والسلم الأهلي خطان أحمران».
رغم شبه التوافق الشعبي على إبعاد سيناريو الحرب الأهلية، التي أهلكت لبنان على مدى خمسة عشر عاما بين (1975 ــ 1990)، إلا أن التحريض عليه لا يتوقف من بعض جماعات الداخل، متحالفة علنا أو ضمنيا مع المطلب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة فورا.
وفق «نتنياهو» نفسه، فإن «إزالة سلاح (حزب الله) يتطلب وقتا وعملا سياسيا وعسكريا معا».
بمعنى آخر، إنها حرب طويلة وصعبة على جبهتي السياسة والسلاح.
إذا ما استجاب الرئيس اللبناني لدعوة «ترامب» أن يلتقي «نتنياهو» في البيت الأبيض، فإن هذا الاجتماع سوف تتولد عنه هزات عنيفة داخل البيت اللبناني، تقوض أي استقرار وتنسف كل وحدة أو قدرة على التفاهم الوطني.
في خطابه للشعب اللبناني، استعار الرئيس «جوزيف عون» من قاموس الرئيس المصري الراحل «أنور السادات»، قبل ذهابه إلى الكنيست، عبارة مثقلة بمخاوفها، أبدى فيها استعداده للذهاب إلى أي مكان من أجل اللبنانيين.
إنه فخ منصوب، أيها الرئيس!