نشرت في 22 أكتوبر 2026 09:17 م
https://www.khbrpress.ps/post/436913
تستعد فرنسا لفرض إجراءات أمنية مشددة تحسباً لموجة جديدة من الاحتجاجات المقررة السبت، عقب أعمال شغب ونهب واسعة شهدتها البلاد في 17 أكتوبر الجاري، وأسفرت، وفق بيانات رسمية، عن إصابة نحو ألف من عناصر الشرطة والأمن، وتخريب آلاف المتاجر واعتقال أكثر من 2500 شخص.
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، اتخاذ تدابير لتقييد التجمعات غير المصرح بها، متهماً مجموعات من اليسار المتطرف بالسعي إلى إسقاط الجمهورية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اتساع رقعة المواجهات، على خلفية الاحتجاجات المرتبطة بالأوضاع المعيشية وتدهور الخدمات العامة.
وجاءت تصريحات ماكرون عقب اجتماع طارئ في قصر الإليزيه ضم مسؤولين حكوميين وأمنيين واستخباراتيين، فيما تقرر عقد اجتماع لمجلس الدفاع الوطني الجمعة لبحث إجراءات إضافية قبل احتجاجات نهاية الأسبوع.
وأكد ماكرون أن التظاهرات المسموح بها السبت ستقتصر على الفعاليات المنظمة والحاصلة على التصاريح اللازمة، بما فيها تحركات النقابات العمالية، مع تحويل بعضها إلى مسارات بديلة بهدف حماية المنشآت التجارية والمباني العامة.
تعزيز الانتشار الأمني وحظر التظاهرات في مدن فرنسية
وفي إطار الاستعدادات، تعتزم السلطات الفرنسية زيادة انتشار قوات الأمن بنسبة 20% مقارنة بالسبت الماضي، الذي شهد نشر نحو 60 ألف شرطي في أنحاء البلاد، مع الاستعانة بجنود من عملية "سنتينل" لمكافحة الإرهاب، ووحدات الشرطة الخاصة والمروحيات والمركبات المدرعة في المناطق التي يُتوقع أن تشهد مواجهات.
وقال رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو إن السلطات أعدت "عملية أمنية مكثفة" لمنع تكرار ما وصفته بالإخفاقات الأمنية التي رافقت اضطرابات الأسبوع الماضي، وذلك عقب اجتماعات مع ممثلي النقابات وقادة الأحزاب السياسية.
وفرضت السلطات في مدينة ليون حظراً شاملاً على التظاهرات المقررة السبت، فيما أصدرت شرطة باريس قرارات تمنع التجمعات والمسيرات في مواقع حساسة، تشمل محيط قصر الإليزيه والبرلمان ومحطات القطارات الرئيسية وجادة الشانزليزيه ومتحف اللوفر، إلى جانب إغلاق عدد من محطات المترو.
ودعت بلدية باريس السكان وأصحاب المتاجر إلى اتخاذ احتياطات إضافية، من بينها إدخال حاويات القمامة والأثاث الموجود في الشوارع والدراجات إلى أماكن آمنة، وإزالة مواد البناء والحواجز التي قد تُستخدم خلال أعمال الشغب.
وامتدت القيود إلى مدن أخرى، بينها ليل وغرينوبل ولومان وروان ولو هافر وتولون، فيما فرضت سلطات إقليم فار قيوداً على ارتداء أغطية الوجه والملابس الواقية وتداول الألعاب النارية خلال الأيام المقبلة.
كما تستعد قوات الأمن لاحتمال اندلاع مواجهات في مدينة أورليان، بالتزامن مع المؤتمر السنوي لحزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، وسط دعوات من نقابات ومنظمات يسارية لتنظيم احتجاجات مناهضة له.
وفي المقابل، ألغت المحكمة الإدارية في باريس، الخميس، حظراً شرطياً كان مفروضاً على مسيرة طلابية، بعد قبول طعن عاجل تقدمت به الجهات المنظمة. وعقب القرار، خرج طلاب في مسيرة من محيط مستشفى "بيتي سالبتريير" الجامعي، فيما اعتبرت منظمات طلابية أن القيود الحكومية تمثل مساساً بالحقوق المدنية.
آلاف المتاجر تعرضت للنهب والتخريب
وتأتي الاستعدادات الأمنية بعد الاضطرابات التي شهدتها فرنسا في 17 أكتوبر، بالتزامن مع تظاهرات شارك فيها أكثر من نصف مليون شخص، بحسب الأرقام الواردة في التقارير الرسمية.
وأظهرت البيانات إصابة نحو ألف من عناصر الشرطة والأمن، وتعرض أكثر من ثلاثة آلاف متجر للنهب والتخريب في أنحاء البلاد، بينها نحو 450 متجراً في باريس، إلى جانب إحراق سيارات ودراجات وحاويات نفايات.
كما تجاوز عدد المعتقلين 2500 شخص، فيما أفاد وزير العدل جيرالد دارمانان بأن أكثر من 900 مشتبه به يمثلون أمام القضاء ضمن إجراءات محاكمة سريعة، مع إيداع 174 منهم السجن.
وفي مدينة ليموج، اعتقلت الشرطة رجلين، أحدهما يبلغ 66 عاماً والآخر في الثلاثينيات من عمره، للاشتباه في تورطهما بإضرام النار في مبنى البلدية، في محاولة يُشتبه بأنها استهدفت قتل عناصر شرطة كانوا بداخله.
ودفعت أعمال النهب والتخريب أصحاب متاجر في العاصمة إلى تدعيم واجهات محالهم بألواح خشبية، فيما أعلنت مجموعة "هيرميس" الفرنسية للمنتجات الفاخرة تعزيز الإجراءات الأمنية في فروعها، عقب تعرض متجر تابع لها في مرسيليا للنهب والتدمير. وأفاد المدير المالي للمجموعة بأن إعادة افتتاح الفرع لن تتم في المستقبل المنظور.
احتجاجات بدأت من المدارس واتسعت بسبب غلاء المعيشة
وتعود جذور موجة الاحتجاجات، وفق التقرير، إلى تحركات بدأت في سبتمبر الماضي داخل مدرسة ثانوية بمدينة كريتيي، بضواحي باريس، احتجاجاً على نقص الكوادر التعليمية، قبل أن تتسع لتشمل إضرابات طلابية وإغلاق مدارس واعتراضات على البنية التحتية وسياسات القبول الجامعي.
وتداخلت هذه المطالب مع غضب اجتماعي أوسع بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة وتراجع القدرة الشرائية وتدهور الخدمات العامة، ما حول التحركات إلى موجة احتجاجية تشمل شرائح مختلفة من المجتمع.
ودعت منظمات طلابية إلى مواصلة المسيرات خلال عطلة الخريف، فيما يعتزم ناشطون من حركة "السترات الصفراء"، التي شهدت فرنسا احتجاجاتها الواسعة عام 2018، الانضمام إلى التحركات الجديدة.
وفي سياق متصل، حددت النقابات العمالية الكبرى الخامس من نوفمبر المقبل موعداً لإضراب عام جديد يشمل القطاعين العام والخاص، وسط انتقادات لعدم تقديم حكومة ليكورنو حلولاً ملموسة للأزمات الاجتماعية.
مواجهة سياسية وتداعيات اقتصادية
وأثارت الأزمة انقساماً سياسياً حاداً في فرنسا، قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة لاختيار خلف لماكرون، إذ رفض حزب "فرنسا الأبية" اليساري اتهامات الحكومة لليسار بالوقوف وراء أعمال التخريب، وطالب رئيس الوزراء باعتذار رسمي، متهماً الحكومة بمحاولة التهرب من مسؤوليتها عن الأحداث والضغط على الأجهزة الاستخباراتية. ونفت الحكومة هذه الاتهامات.
وامتدت تداعيات الاضطرابات إلى الأسواق المالية، إذ سجلت عوائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات ارتفاعاً تجاوز عوائد سندات الخزانة الأمريكية المقابلة للمرة الأولى منذ عام 2013، وفق ما أورده التقرير، في مؤشر إلى تنامي المخاوف المرتبطة بالوضع السياسي والاقتصادي.
كما أصدرت دول آسيوية، بينها تايلاند وماليزيا، تحذيرات سفر لمواطنيها، دعت فيها إلى تأجيل الرحلات غير الضرورية إلى فرنسا والمناطق الأوروبية التي تشهد احتجاجات، فيما حثت الصين مواطنيها الموجودين في فرنسا على تشديد إجراءات السلامة.
وتواجه الحكومة الفرنسية اختباراً أمنياً وسياسياً مع اقتراب عطلة نهاية الأسبوع، في ظل مساعٍ لاحتواء الاضطرابات ومنع تجدد أعمال النهب والعنف، مقابل تمسك المنظمات الطلابية والنقابية بمواصلة الاحتجاجات على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.