شاهد: رغم الدمار وحرب الإبادة.. نحالو غزة يعيدون بناء مناحلهم وسط خسائر فادحة

نشرت في 29 يوليو 2026 01:43 م

محمود غانم - غزة - وكالة خبر

https://www.khbrpress.ps/post/433229

في زاوية هادئة من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يتنقل النحال فهد الدحدوح 39 عاماً) بين خلايا النحل التي صنع معظمها بيديه، يتفقدها بعناية وكأنه يطمئن على أفراد عائلته، فهذه الخلايا ليست مجرد مصدر للعسل، بل قصة صمود بدأت من جديد بعد أن التهمت حرب الإبادة كل ما بناه على مدار سنوات طويلة.

كما هو حال آلاف المزارعين في قطاع غزة، وجد فهد الدحدوح نفسه أمام واقع قاسٍ بعدما دمرت الحرب الإسرائيلية، على مدار عامين ونصف، كل ما يتعلق بحياته ومصدر رزقه، ولم تسلم المناحل ولا مراعي النحل في المناطق الشرقية من القطاع، التي أصبحت أجزاء واسعة منها خارج متناول أصحابها.

ورغم سيطرة الاحتلال على تلك الأراضي، لم يستسلم النحالون، فقد بدأوا رحلة شاقة لإنقاذ ما تبقى من هذه المهنة، وحماية النحل من الاندثار في قطاع غزة.

الحرب دمرت كل شيء

02-5
 

يقول الدحدوح في تصريح خاص لـ"خبر": "كنت من كبار مربي النحل في قطاع غزة، وأمتلك 480 صندوق نحل، لكنّ الحرب دمّرت كل شيء في منطقة الشيخ عجلين، ولم يتبقَّ لنا شيء."

وأضاف أن عائلته نزحت إلى جنوب القطاع عدة مرات خلال الحرب، وبعد دخول الهدنة حيز التنفيذ عاد إلى ممارسة المهنة، مستعينًا بما تمكن من جمعه من أخشاب ومعدات انتشلها من بين أنقاض المنازل، ليبدأ رحلة إعادة بناء المناحل من نقطة الصفر.

تربية النحل أصبحت أكثر صعوبة

01-8
 

ويشير الدحدوح إلى أن تربية النحل أصبحت أكثر صعوبة بسبب النقص الحاد في مستلزمات الإنتاج، وفي مقدمتها براويز الخشب وشمع الأساس الذي تعتمد عليه خلايا النحل.

ويوضح أن سعر كرتونة شمع الأساس ارتفع من نحو 30 شيكل قبل الحرب إلى قرابة 2000 شيكل، مع استمرار انعدام توفرها في الأسواق.

كما ارتفع سعر خشب البرواز من شيكلين إلى نحو 18 شيكلًا للقطعة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج، ليرتفع سعر كيلو العسل إلى نحو 200 شيكل، مقارنة بـ70 شيكلًا قبل الحرب، فيما تتراوح أسعار خلية النحل حاليًا بين 1500 و4000 شيكل.

ويؤكد الدحدوح أن النحالين في قطاع غزة لم يتلقوا أي دعم من المؤسسات أو الجمعيات أو المنظمات الدولية، مشيرًا إلى أن وزارة الزراعة أيضًا لم تقدم أي برامج لمساندة مربي النحل.

وبين أزيز النحل ورائحة الشمع، يختصر فهد حكايته بكلمات تعكس عمق ارتباطه بهذه المهنة: "النحل بالنسبة لنا ليس مجرد مصدر رزق، بل جزء من هويتنا وصمودنا، وارتباطنا به ارتباط عقائدي وديني، وقد خُصصت له سورة كاملة في القرآن الكريم."

من جهته، قال الخبير الزراعي والبيئي المهندس نزار الوحيدي إنّ قطاع تربية النحل في غزة يمر بواحدة من أصعب مراحله بعد الحرب، في ظل محاولات النحالين إعادة تأهيل مناحلهم، واستعادة مصدر رزقهم رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالقطاع.

وأوضح الوحيدي في تصريح خاص لوكالة "خبر" أن النحل يعد ركناً أساسياً في المنظومة الزراعية، ليس لإنتاج العسل فحسب، بل لدوره الحيوي في تلقيح المحاصيل والحفاظ على التنوع الحيوي وتعزيز الأمن الغذائي.

الحرب تسببت في تدمير آلاف خلايا النحل

04-4
 

وأشار إلى أن الحرب تسببت في تدمير آلاف خلايا النحل ونفوق أعداد كبيرة من الطوائف، إلى جانب تدمير الغطاء النباتي وتجريف الأراضي الزراعية، ومنع إدخال مستلزمات الإنتاج الأساسية، فضلاً عن شح المياه، وارتفاع درجات الحرارة، ونزوح النحالين، وتراجع الطلب على العسل بسبب انهيار القدرة الشرائية.

وحذر من أن انخفاض أعداد النحل يهدد إنتاج العديد من المحاصيل الزراعية، مؤكداً أن التقديرات تشير إلى تدمير أو فقدان ما بين 70 و90% من خلايا النحل، وانخفاض إنتاج العسل بأكثر من 80% مقارنة بما قبل الحرب، ما أدى إلى فقدان آلاف النحالين لمصادر دخلهم.

وأضاف أن بعض المبادرات قدمت دعماً محدوداً للنحالين من خلال توزيع خلايا ومستلزمات إنتاج وتنفيذ برامج تأهيل، إلا أنها لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وشدد الوحيدي على أن إنقاذ القطاع يتطلب برنامجاً متكاملاً يشمل تعويض النحالين، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وإعادة زراعة النباتات الرحيقية، وإنشاء صندوق لدعم النحالين، ودمج قطاع تربية النحل في خطط التعافي الزراعي والأمن الغذائي.

وأكد أن دعم النحالين لا يعني فقط استعادة إنتاج العسل، بل يمثل استثماراً في حماية التنوع الحيوي، وتعزيز الأمن الغذائي، وإعادة بناء منظومة زراعية أكثر قدرة على الصمود.