نشرت في 11 أغسطس 2026 10:08 ص
https://www.khbrpress.ps/post/433773
حذّر البنك الدولي من أن الاقتصاد الفلسطيني يواجه أزمة مالية واقتصادية متفاقمة، رغم تسجيل مؤشرات نمو خلال عام 2025، مؤكداً أن هذه الزيادة لا تعكس تعافياً حقيقياً، في ظل استمرار القيود على حركة الأفراد والتجارة والعمل، وأزمة أموال المقاصة، وتراكم ديون السلطة الفلسطينية، وتصاعد المخاطر التي تواجه القطاع المصرفي.
وقال البنك، في أحدث تقرير اقتصادي حول الضفة الغربية وقطاع غزة، إن تداعيات الحرب التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 ما تزال تضغط بقوة على الاقتصاد الفلسطيني، مشيراً إلى أن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار في غزة توفر فرصة محدودة للانتقال من الاستجابة الإنسانية إلى مسار التعافي، لكنها تبقى مرتبطة بتطورات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة.
نمو اقتصادي لا يعكس واقعاً متعافياً
وسجل اقتصاد قطاع غزة نمواً بنحو 30% خلال 2025، إلا أن البنك اعتبر أن الرقم مضلل إذا جرى التعامل معه كمؤشر على التعافي، إذ جاء أساساً نتيجة المقارنة مع مستويات النشاط الاقتصادي المنهارة خلال عام 2024.
وفي الضفة الغربية، بلغ النمو نحو 3%، مدفوعاً جزئياً بعودة عدد من العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلي وتحسن مؤقت في الاستهلاك عقب وقف إطلاق النار، لكن مستويات الإنتاج لا تزال أدنى بكثير من مرحلة ما قبل الحرب.
وتبدو الصورة أكثر قتامة في سوق العمل، إذ بلغت البطالة في غزة نحو 78% خلال 2025، فيما تجاوزت نسبة القادرين على العمل من دون وظائف 90%. وفي الضفة الغربية، تراجعت البطالة إلى 27.5% بنهاية العام، لكنها بقيت عند مستويات مرتفعة.
السلطة أمام فجوة تمويل تتسع
ووضع البنك الدولي الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية في صدارة المخاطر التي تهدد الاستقرار الاقتصادي، مشيراً إلى أن الاقتطاعات والتأخير في تحويل أموال المقاصة، بالتزامن مع ضعف الإيرادات المحلية، دفعا السلطة إلى زيادة الاقتراض وتراكم الالتزامات.
وبلغ الدين العام نحو 4.8 مليار دولار بنهاية 2025، من بينها 3.3 مليار دولار مستحقة للمصارف المحلية، فيما وصلت متأخرات السلطة للقطاع الخاص إلى نحو 1.82 مليار دولار، وللموظفين العموميين إلى نحو 2.85 مليار دولار.
وحذر البنك من أن عام 2026 قد يشهد ضغوطاً أشد، مع احتمال وصول فجوة التمويل إلى نحو 1.6 مليار دولار، فيما قد تقفز إلى 3.8 مليارات دولار إذا استمر توقف تحويل أموال المقاصة.
وفي هذه الحالة، يتوقع التقرير استمرار دفع رواتب موظفي القطاع العام بصورة جزئية، إلى جانب تراكم مزيد من المتأخرات والالتزامات المالية.
المصارف تتحمل جزءاً متزايداً من الأزمة
وحذر البنك الدولي من انتقال المخاطر المالية للسلطة الفلسطينية إلى الجهاز المصرفي، في ظل وصول إجمالي انكشاف المصارف على القطاع العام، بما يشمل القروض المباشرة وقروض موظفي الحكومة، إلى نحو 5.3 مليارات دولار، أي ما يعادل قرابة 42% من إجمالي التسهيلات الائتمانية.
وفي مؤشر آخر على حجم الضغوط المالية، تراكم نحو 16 مليار شيكل نقداً في خزائن المصارف الفلسطينية بنهاية 2025، نتيجة القيود المفروضة على تحويل النقد إلى البنوك الإسرائيلية.
وأوضح البنك أن المشكلة لا تتمثل في نقص النقد، وإنما في صعوبة تحويله وتسوية المدفوعات الخارجية، ما يهدد قدرة المصارف على تمويل التجارة واستيراد السلع الأساسية في حال تفاقمت القيود المصرفية.
غزة تدفع كلفة دمار غير مسبوق
وفي قطاع غزة، قدر البنك الدولي أن نحو 92% من المنشآت الاقتصادية تعرضت للتدمير أو الضرر، فيما بلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار، وفق تقييم مشترك مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، نحو 71.5 مليار دولار.
ولا تقتصر الخسائر على الاقتصاد والبنية التحتية، إذ أشار التقرير إلى أضرار واسعة طالت قطاعي الصحة والتعليم. كما أن آلاف المرضى، بينهم أطفال، بحاجة إلى علاج خارج القطاع، في وقت تعرضت فيه غالبية المدارس لأضرار جسيمة وتحتاج نسبة كبيرة منها إلى إعادة بناء كاملة.
ويعكس ذلك، وفق البنك، أن أي تحسن في المؤشرات الاقتصادية خلال المرحلة الحالية لا يمكن فصله عن حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية.
المقاصة وإعادة الإعمار مفتاح الخروج من الأزمة
وخلص البنك الدولي إلى أن استقرار الاقتصاد الفلسطيني لن يتحقق من خلال النمو المؤقت وحده، بل يتطلب معالجة مصادر الأزمة المالية وتهيئة الظروف لعودة النشاط الاقتصادي.
ووضع التقرير استئناف تحويل أموال المقاصة بصورة منتظمة، والحفاظ على العلاقات المصرفية، وتسهيل حركة الأفراد والسلع، وتأمين التمويل الدولي لإعادة إعمار غزة، في مقدمة الشروط اللازمة لبدء التعافي.
وفي المقابل، شدد على أهمية الإصلاحات الفلسطينية في إدارة المال العام، ورفع كفاءة الإنفاق وتحصيل الإيرادات، إلى جانب دعم القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وبحسب البنك الدولي، فإن الانتقال من اقتصاد مثقل بالأزمة إلى اقتصاد قادر على خلق فرص العمل يتطلب مساراً متزامناً يجمع بين تخفيف القيود الاقتصادية، واستقرار المالية العامة، والدعم الدولي، وإعادة إعمار غزة.